← All source recordsCONTEXT / aljazeera.net

الطاعون "الموت الأسود" وباء اجتاح القارات

Published Not supplied · Discovered 9 Oct, 16:32 UTC · Original language: ar · Version 2

Article image

مرض بكتيري حاد وشديد الخطورة، تسببه بكتيريا تُعرف باسم اليرسينية الطاعونية (Yersinia pestis). تستوطن هذه البكتيريا في الطبيعة لدى بعض القوارض الصغيرة، مثل الجرذان والسناجب وكلاب البراري، وكذلك لدى البراغيث التي تتغذى على دماء الحيوانات المصابة، ويمكن أن تنتقل العدوى إلى الإنسان.

أنواع الطاعون وأعراضه

يتخذ الطاعون أربعة أشكال طبية، تختلف بحسب موضع تكاثر البكتيريا داخل الجسم وطبيعة الأعراض المصاحبة لكل نوع:

قصص مقترحة

list 1 of 2الطاقة في إيران.. الاحتياطيات والحقول والتكرير

list 2 of 2فجر اليمن.. عملية عسكرية لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثي

يُعدّ الشكل الأكثر شيوعًا للمرض، إذ يشكّل نحو 75% إلى 97% من الحالات. تتكاثر البكتيريا في العقد اللمفاوية، مسببة تورمًا شديدًا ومؤلمًا يُعرف باسم "الدُّبْل "، ويظهر عادة في الإبط أو الرقبة أو أعلى الفخذ. وتشمل الأعراض المصاحبة الحمى المفاجئة والصداع والقشعريرة.

يحدث عندما تتكاثر البكتيريا في مجرى الدم مباشرة، أو تنتقل إليه من أجزاء أخرى من الجسم. ويسبب نزيفًا تحت الجلد وفي الأعضاء الداخلية، وقد يؤدي إلى هبوط ضغط الدم والصدمة، فضلا عن موت الأنسجة، أو ما يُعرف بالغرغرينا، التي قد تتسبب في اسوداد الأطراف، مثل الأنف والأصابع.

Clockwise from top left: Yersinia pestis in the blood; blackened tissue from acral necrosis, a symptom common in bubonic plague; swollen inguinal lymph nodes or buboes; pulmonary pathology caused by pneumonic plague. Credit: CDC
Clockwise from top left: Yersinia pestis in the blood; blackened tissue from acral necrosis, a symptom common in bubonic plague; swollen inguinal lymph nodes or buboes; pulmonary pathology caused by pneumonic plague. Credit: CDC

يُعدّ أشد أشكال الطاعون خطورة، وتتراوح فترة حضانته بين 24 ساعة وثلاثة أيام. يصيب الرئتين ويسبب ضيقًا شديدًا في التنفس وألمًا في الصدر وسعالا مصحوبا بالدم. ويتميز هذا النوع بإمكانية انتقاله مباشرة من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي، مما يجعله شكلا بالغ الخطورة من المرض.

هو نوع نادر من الطاعون يصيب الحلق، وقد تحدث الإصابة به نتيجة تناول لحوم حيوانات ملوثة بالبكتيريا وغير مطهوة جيدًا.

العدوى وطرق الانتقال

تنتقل بكتيريا الطاعون إلى الإنسان والحيوانات عبر عدة طرق، أبرزها لدغات البراغيث المصابة التي تنقل العدوى من القوارض، مثل الجرذان والسناجب وكلاب البراري، إلى عائل جديد.

كما يمكن أن تنتقل البكتيريا عبر الملامسة المباشرة لأنسجة الحيوانات المصابة أو سوائل أجسامها، أو نتيجة التعرض للعض والخدش، والتعامل مع جثث الحيوانات النافقة.

UNDATED PHOTO: A bubonic plague smear, prepared from a lymph removed from an adenopathic lymph node, or bubo, of a plague patient, demonstrates the presence of the Yersinia pestis bacteria that causes the plague in this undated photo. The F
UNDATED PHOTO: A bubonic plague smear, prepared from a lymph removed from an adenopathic lymph node, or bubo, of a plague patient, demonstrates the presence of the Yersinia pestis bacteria that causes the plague in this undated photo. The F

وينتقل الطاعون أيضًا عبر استنشاق الرذاذ التنفسي الصادر عن شخص أو حيوان مصاب بالطاعون الرئوي، ولا سيما عند السعال أو العطاس، وتُعد هذه الطريقة المسار المباشر الرئيسي لانتقال العدوى من إنسان إلى آخر.

ومن طرق انتقال العدوى كذلك تناول لحوم حيوانات مصابة غير مطهوة جيدًا، وهو ما قد يؤدي إلى الإصابة بالطاعون البلعومي، فضلا عن احتمال انتقال البكتيريا عبر الأقمشة والملابس الملوثة، أو بواسطة طفيليات خارجية أخرى، مثل القمل، وإلى البشر.

تاريخ الظهور

يعود تاريخ ظهور الطاعون إلى آلاف السنين، إذ تشير الأدلة الجينية إلى وجود بكتيريا يرسينيا بيستيس (Yersinia pestis) المسببة للمرض قبل نحو 4900 عام، بعدما اكتُشفت آثارها في أسنان مزارعين من العصر الحجري الحديث في السويد.

كما أظهرت تحليلات الحمض النووي القديم وجود البكتيريا في آسيا وأوروبا في الفترة الممتدة بين عامي 3000 و800 قبل الميلاد، وإن كانت طبيعة التفشيات المرضية في تلك العصور لا تزال غير مؤكدة. وتُظهر هذه الأدلة عمق الارتباط التاريخي بين الطاعون والبشرية، إذ يُقدّر أن المرض تسبب في وفاة أكثر من 200 مليون شخص عبر التاريخ.

يُقسّم تاريخ الطاعون إلى ثلاث جوائح كبرى، تركت آثارا عميقة في المجتمعات التي اجتاحتها. إذ ظهرت أولى الجوائح الكبرى الموثقة للطاعون في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول في القرن السادس الميلادي.

ووفقا للمؤرخين، بدأ التفشي في مصر، ثم انتقل عبر طرق التجارة البحرية إلى القسطنطينية، حيث ضرب المدينة عام 542، متسببًا في وفاة عشرات الآلاف. وامتد المرض لاحقًا إلى مناطق واسعة من حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط وأوروبا، واستمرت موجاته المتكررة حتى نحو عام 750م.

كما شهد القرن الرابع عشر واحدة من أشد موجات الطاعون فتكًا في التاريخ، عُرفت باسم "الموت الأسود ". ووصل المرض إلى ميناء ميسينا في جزيرة صقلية عام 1347، عبر سفن تجارية قادمة من مناطق في آسيا، ثم انتشر بسرعة في أنحاء أوروبا. وتشير التقديرات إلى أنه أودى بحياة ما بين 20 و30 مليون شخص في القارة الأوروبية، فيما تجاوز عدد ضحاياه عالميًا 50 مليونًا.

ولم يقتصر انتشار الطاعون على أوروبا، بل شهدت مناطق من العالم الإسلامي تفشيات ارتبطت بأزمات اقتصادية ومعيشية حادة. وفي مصر، تزامنت بعض موجات المرض مع أزمات المجاعة وجفاف النيل، ومنها الشدة المستنصرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، التي شهدت تدهورًا شديدًا في الأوضاع المعيشية.

واستمرت تفشيات الطاعون في أوروبا في القرون التالية، مخلفة خسائر بشرية كبيرة. ففي عامي 1656 و1657، ضرب المرض نابولي وجنوة، بينما شهدت لندن تفشيًا واسعًا عام 1665 أودى بحياة أعداد كبيرة من سكانها، كما اجتاح مدنًا أخرى، بينها فيينا وموسكو.

ولم تقتصر آثار هذه الموجات على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية، إذ أسهمت الشائعات والمخاوف من المرض في استهداف أقليات وملاحقتها في بعض المجتمعات الأوروبية.

أما الجائحة الثالثة فقد بدأت في مقاطعة يونّان جنوب غربي الصين عام 1855، ثم وصلت إلى قوانغتشو وهونغ كونغ عام 1894، قبل أن تنتشر عبر خطوط الملاحة البحرية إلى مناطق واسعة من العالم.

وفي الفترة بين عامي 1894 و1922، أودى الطاعون بحياة أكثر من 10 ملايين شخص عالميًا، وكانت الهند من أكثر المناطق تضررًا، إذ تشير التقديرات إلى وفاة نحو 12 مليون شخص فيها وحدها. كما وصل المرض إلى سان فرانسيسكو عام 1900، وسُجلت إصابات في عدد من الموانئ والمدن حول العالم.

على الرغم من تراجع الجوائح الكبرى، لم يختفِ الطاعون تمامًا، بل بقيت إصابات متفرقة تُسجّل في مناطق من أفريقيا وآسيا والأمريكيتين، خصوصًا في البيئات التي تعيش فيها القوارض الحاملة للبكتيريا.

وبين عامي 2010 و2015، سُجّلت عالميًا 3248 إصابة بالمرض، أسفرت عن 584 وفاة، فيما تركزت معظم الحالات المسجلة بحلول عام 2020 في مدغشقر وبيرو وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

الاكتشاف العلمي لبكتيريا الطاعون

شكّل عام 1894 نقطة تحول في فهم المرض، عندما تمكّن العالمان ألكسندر يرسين وكيتاساتو شيباسابورو، كلٌّ على حدة، من عزل البكتيريا المسببة للطاعون أثناء تفشيه في هونغ كونغ.

وفي عام 1898، أثبت الباحث الفرنسي بول لويس سيمون أن براغيث الجرذان الشرقية تؤدي دورًا رئيسيًا في نقل البكتيريا بين الجرذان، كما ثبت لاحقًا دور البراغيث في نقل العدوى إلى الإنسان.

وأسهمت هذه الاكتشافات في تطوير إجراءات مكافحة المرض، من خلال الحد من انتشار القوارض والبراغيث، وتحسين التدابير الصحية في الموانئ والسفن.

كما ساعد تطور فهم طبيعة البكتيريا وطرق انتقالها على تحسين أساليب الوقاية والعلاج. وابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين، أتاحت أدوية السلفا، ثم المضادات الحيوية مثل الستربتوميسين، وسائل أكثر فاعلية لمواجهة العدوى، مما أسهم في تراجع أعداد الوفيات بصورة كبيرة.

الطاعون والحروب البيولوجية

ارتبط الطاعون أيضًا بمحاولات استخدام الأمراض في الحروب. ففي حادثة حصار ميناء كافا عام 1346، قيل إن قوات تترية ألقت جثث أشخاص مصابين بالطاعون داخل المدينة باستخدام المنجنيق.

وأثناء الحرب العالمية الثانية، استخدمت اليابان، عبر الوحدة العسكرية المعروفة باسم "الوحدة 731 "، وسائل لنشر البراغيث المصابة ببكتيريا الطاعون في مناطق من الصين. كما طوّرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة وسائل لنشر البكتيريا في الهواء على هيئة رذاذ، مما عزز المخاوف من استخدامها سلاحًا بيولوجيًا.

العلاج والوقاية

أصبح الطاعون قابلا للعلاج بفاعلية عالية باستخدام المضادات الحيوية، مثل الستريبتومايسين والجينتاميسين والدواكسيسيكلين. وتزداد فرص التعافي عند بدء العلاج مبكرا، في غضون أول 24 ساعة من ظهور الأعراض.

فقد انحسرت التفشيات الكبيرة للطاعون بفضل تحسن مستويات النظافة والرعاية الصحية، إلا أن بؤرا طبيعية لا تزال تسجل إصابات سنوية محدودة، خاصة في مدغشقر وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحالات الحديثة، تخضع للسيطرة ولا تشكل تهديدا بجائحة عالمية.

ورغم ذلك لا يتوفر لقاح عام موصى به من منظمة الصحة العالمية، بينما تُستخدم المضادات الحيوية كإجراء وقائي للمخالطين المباشرين للمصابين.

عودة مفاجئة

أثارت وفاة فنية مختبر روسية في سيبيريا مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 تساؤلات صحية ودولية، وسط تضارب الروايات بشأن سبب الوفاة واحتمال ارتباطها ببكتيريا الطاعون.

فقد توفيت داريا شيبيلوفا، العاملة في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون، في 2 أكتوبر/تشرين الأول، بعد نقلها إلى مستشفى في مدينة شيليخوف يوم 29 سبتمبر/أيلول، إثر إصابتها بأعراض تنفسية حادة استدعت وضعها على جهاز التنفس الاصطناعي.

وعقب الوفاة، فُرض حجر صحي على المستشفى المحلي، وأُوقفت الفحوصات واستقبال المرضى، فيما وُضع نحو 197 إلى 200 من مخالطيها تحت المراقبة الطبية والعزل الاحترازي. كما أفادت تقارير باحتجاز أكثر من 60 موظفا داخل معهد أبحاث الطاعون.

وأعلنت السلطات الروسية أن الوفاة ناجمة عن "التهاب رئوي مجهول السبب "، ونفت تأكيد إصابتها ببكتيريا الطاعون. في المقابل، تحدثت تقارير غير رسمية عن احتمال وقوع حادث داخل المختبر إثر كسر أنبوب اختبار يحتوي على مسبب المرض في 25 سبتمبر/أيلول، بينما رجحت روايات أخرى تعرضها للعدوى أثناء سفرها أو في إحدى البؤر الطبيعية للطاعون، من دون حسم أي من هذه الفرضيات.

وأثارت إزالة منشورات وتحذيرات سابقة من بعض المنصات المحلية شكوكا بشأن احتمال التعتيم على تفاصيل الحادثة. وصنفت منظمة الصحة العالمية الخطر خارج المنطقة بأنه "منخفض جدا "، مؤكدة سلبية الفحوصات الأولية للمخالطين الـ197 وعدم ظهور أعراض على أي منهم. كما حذرت الولايات المتحدة من أن نقص الشفافية لا يتوافق مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالإبلاغ عن الطوارئ الصحية.

Full text reproduced from aljazeera.net (publisher page, rights-checked under syndication).

View original at aljazeera.net

About this report

Original title: الطاعون "الموت الأسود" وباء اجتاح القارات

Related coverage

الطاعون "الموت الأسود" وباء اجتاح القارات | TRP